Articles

 

                            العوامل التاريخيّة التي أدّت إلى استقلال ليبيا ودستورها

بتاريخ 21 نوفمبر 1949 وافقت الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة بأغلبيّة 49 صوتا ضدّ صوت واحد وامتناع تسعة عن التصويت،على القرار رقم  289 (IV)باستقلال ليبيا ونصّه (بعد الدّيباجة):"إن ليبيا التي تضمّ برقة وطرابلس الغرب وفزّان عليها أن تشكّل دولة مستقلّة ذات سيادة – ينبغي أن يتُحقّق هذا الإستقلال بأسرع ما يمكن،بحيث لا يتأخّر،بأي حال من الأحوال،عن أوّل يناير 1952 –أن دستورا لليبيا مع شكل الحكومة ينبغي أن يُقرّر من قبل ممثلي السكّان في برقة وطرابلس الغرب وفزّان الذين سيجتمعون ويتشاورون معا في جمعيّة وطنيّة- من أجل مساعدة شعب ليبيا في صياغة الدستور وإقامة حكومة مستقلّة،ينبغي تعيين مفوّض للأمم المتحدة في ليبيا من قبل الجمعيّة العامّة،كما تعيّن مجلسا ليساعده ويُسدي له النُّصح – أن يرفع مفوّض الأمم المتحدة،بالتشاور مع المجلس،تقريرا سنويّا للسكرتير العام وأية تقارير أخرى يراها ضروريّة،على أن ترفق مع هذه التقارير أية مذكّرة أو وثيقة يرغب مفوّض الأمم المتحدة أو عضو من المجلس في لفت إنتباه الأمم المتحدة إليها – يتكوّن المجلس من عشرة أعضاء هم :عضو تعيّنه كلّ حكومة من الدول التالية: مصر،فرنسا،إيطاليا،باكستان،بريطانيا،والولايات المتحدة وممثّل عن الشعب في كل من أقاليم ليبيا الثلاثة،وكذلك ممثّل عن الأقليّات في ليبيا"وعلى المفوّض أن يعيّن الممثّلين المحليين المشار إليهم "بعد إستشارة السلطات الإداريّة والشخصيّات القياديّة وممثّلي الأحزاب السياسيّة والمنظّمات في الأراضي المعنيّة". وطلب القرار من السلطات الإداريّة بالتعاون مع المفوّض "لكي تبادر فورا باتخاذ كل الخطوات بنقل السلطة إلى الحكومة المستقلّة التي ستتكوّن،وأن تقوم بإدارة الأراضي بهدف المساعدة في تحقيق وحدة ليبيا واستقلالها،والتعاون لتكوين مؤسّسات حكوميّة وتنسّق بين أنشطتها،وتقدّم تقريرا سنويّا للجمعيّة العامّة عن الخطوات المتخذة لتنفيذ هذه التوصيات. وبعد تكوينها كدولة مستقلّة،ينبغي ضمّ ليبيا إلى عضويةّ الأمم المتحدة". هذا وقدعُيّن المستر أدريان بيلت الهولندي مفوّضا للأمم المتحدة بقرار من الجمعيّة العامّة بتاريخ 10 ديسمبر من نفس العام.

هذا القرار التاريخي الذي أصدرته أعلى منظمّة دوليّة،وهي في بداية نشاطها غداة الحرب العالميّة الثانية،إمتاز بكونه الأوّل الذي يصدره المجتمع الدولي – إذا استثنينا قرار تقسيم فلسطين- وفي الحقيقة كان القرار تتويجا لصراع دام مرير خاضه شعب صغير فقير كان يعيش في "صندوق مقفل من الرمال" كما نعت ليبيا الإستعماريّون الإيطاليّون،عبر عهود من الزمن الغابر ضدّ قوى العدوان والإغتصاب الأجنبيين التي اختُتمت بالإستعمار الإيطالي. كما أن القرار الذي أثبتناه هنا كمقدّمة،جاء أيضا نهاية لصراع دولي آخر جرى في المحافل الدوليّة،وتزامن مع النضال السياسي لجماهير الشعب الليبي الذي لم ينقطع أويفتر حتى تحقّقت أمانيه.

وفي الصفحات التالية سرد مختصر لمراحل بحث مسألة ليبيا في أروقة الأمم المتحدة والذي دام لمدّة سنتين تقريبا،إذ أن المحاور الرئيسيّة التي ميّزت القضيّة والمواقف الوطنيّة والدوليّة حولها تمثّلت في :  ---1إستقلال ليبيا أم وضعها تحت الوصاية الدّوليّة – 2 – وحدتها أم تقسيمها إلى كيانات ثلاثة – 3 –مسألة ترأس الدولة الجديدة وهل ينبغي أن يتولاّها (الأمير) محمّد إدريس السنوسي؟.

وهذه المحاور ملازمة عضويّا لوضع دستور للدولة الجديدة،فالحالة الليبيّة فريدة من هذه الناحية بين دول ما كان يُسمّى بالعالم الثالث –قبل بزوغ عصر العولمة- فقد تبنّى المجتمع الدولي،ممثّلا في الأمم المتحدة، إنشاء دولة ليبيا. وكان هاجس أهل ليبيا وقيادتها عبر مراحل الصراع هو وضع دستور للكيان الجديد،أي وثيقة تتضمن مجموعة القواعد المحددة لفلسفة وشكل الدولة،وتضبط سلطاتها،وتضفي المشروعية على ممارستها. فقد كان (دستور) الدولة ملازما لنشوئها. وهو ما سنوضّحه في هذه الورقة.

صراع المنتصرين

بعد هزيمة المحور في الحرب العالميّة الثانية انعقد إجتماع بوتسدام (ألمانيا) في يوليو 1945 بين رؤساء الدول المنتصرة ترومان وستالين وتشرشل،وبحثوا مسألة معاهدة الصلح مع إيطاليا ومصير مستعمراتها السابقة في أفريقيا (ليبيا والصومال الإيطالي وأريتريا). وهذا الإجتماع جاء مباشرة بعد التوقيع يوم 27 يونيو 1945 من قبل خمسين دولة أعضاء منظّمة الأمم المتحدة الجديدة على ميثاقها،وبما أن الفصول (11) و12) و13) من الميثاق خّصّصت لتنظيم شئون الوصاية على المستعمرات،فقد كان الفصل (11) المتعلّق ب "الإعلان حول الأراضي غير المحكومة من نفسها" هو الذي عولجت بموجبه المستعمرات الإيطاليّة السابقة ومن إبرزها ليبيا،لأنه نصّ في المادّة (73) منه على "أن تلتزم الدول الأعضاء بالإعتراف بمبدأ أن مصالح سكّان هذه الأراضي هي سامية،والقبول بواجب تطوير رفاهيّة سكّان هذه الأراضي،كأمانة مقدّسة تقع على عاتقها" وطُلب من الأدول الأعضاء – مع واجبات  أخرى- "أن تنمّي حكومات ذاتيّة،وأن تولي الإهتمام اللازم للمطامح السياسيّة لشعوبها،وأن تساعدها في التطوير المتواصل لمؤسّساتها السياسيّة،حسب الظروف الخاصّة بكل من هذه الأراضي وشعوبها ومختلف مراحل تقدّمها،وجاء في المادة (83) أن الجهة المنوط بها إدارة هذه الأراضي "يمكن أن تكون إحدى الدول أو أكثر أو المنظّمة نفسه". ولهذا بادر ستالين في المؤتمر وطالب بالبثّ في الوصاية الدّوليّة على هذه المستعمرات فورا،عارضا إستعداد بلاده للمساهمة في أعبائها. ولكن الأمر،لارتباطه بمسائل الصلح الأخرى مع إيطاليا،رؤي أن يحال إلى اجتماع لمجلس وزراء الخارجيّة الذي ضمّ فرنسا أيضا وانعقد بلندن في سبتمبر من نفس السنة. وهنا ظهر التباين بينهم لأوّل وهلة،فبيفين وزير خارجيّة بريطانيا اقترح أن تعلن إيطاليا تنازلها رسميّا عن مستعمراتها،بينما عارضه جورج بيدو وزير خارجيّة فرنسا مقترحا عودتها تحت الحكم الإيطالي،لكن مولوتوف وزير خارجيّة الإتحاد السوفييتي رأي أن توضع كافة المستعمرات تحت إدارة الدول الأربع الكبرى مشيرا إلى استعداد حكومته لتسلّم إدارة إقليم طرابلس. ومن ناحيته اقترح جيمس بيرنز وزير خارجيّة الولايات المتحدة الأمريكيّة أن توضع تحت وصاية الأمم المتحدة لمدّة عشر سنوات تُمنح بعدها ليبيا الإستقلال. وحيال هذا الإختلاف طُلب من وكلاء الوزراء الأربعة بحث الموضوع والتوصّل إلى تسوية بشأنه. ولكن عندما اجتمع الوزراء الأربعة بباريس في أبريل 1946 ووجدوا أن وكلاءهم لم يتوصّلوا إلى التسوية المنشودة،تقدّم الوزير البريطاني باقتراح منح ليبيا إستقلالها في الحال،وعارضه الوزير السوفييتي،مشتبها في أن بريطانيا،كدولة محتلّة وحاكمة للبلاد،سوف تكيّف الحكم الجديد لمصالحها الستراتيجيّة،ولذلك فضّل إعادة الإدارة الإيطاليّة للبلاد (وقد أتهم الإتحاد السوفييتي بتملّق إيطاليا لأن الإنتخابات الإيطاليّة العامّة كانت على الأبواب وحظوظ فوز الحزب الشيوعي فيها قويّة) أي أنه أيّد الإقتراح الفرنسي السابق. أمّا الوزير الأميريكي فاقترح أنه في حالة إعادة حكم البلاد لإيطاليا، فيجب أن يكون لمدّة معيّنة تُمنح بعدها الإستقلال. ثمّ عقد الوزراء إجتماعا آخر بباريس أيضا في يونيو من نفس العام ليجدوا أنفسهم يدورون في نفس الحلقة المفرغة بسبب تمسّك كلّ منهم بمصالح دولته المتضاربة مع مصالح الأخرى،ولذلك دعا الوزير الأميريكي إلى تأجيل مناقشة القضيّة لمدّة سنة،قد تتقارب خلالها المواقف وتنشأ ظروف جديدة تتيح التسوية.

وجاءت فرصة معاهدة الصلح مع إيطاليا التي وقّعوها بمقرّ وزارة الخارجيّة الفرنسيّة بتاريخ 10 فبراير 1947،وما نصّت عليه في المادّة 23 من تنازل إيطاليا عن مستعمراتها الأفريقيّة المذكورة،وأن تستمرّ هذه الأقطار تحت إدارة سلطات الإحتلال المحرّرة لها إلى أن يُبتّ في مستقبلها. وصدر عنهم بيان يتعلّق بالمستعمرات يمكن إجمال فحواه في النقاط التالية :- تصميم الحكومات الأربع على التوصّل إلى حلّ نهائي بشأنها في مدّة لا تزيد عن سنة من تاريخ التصديق على المعاهدة،وإلاّ أحيلت القضيّة إلى الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة. وبما أن هذا التصديق استُوفي يوم 15 سبتمبر 1947 فقد صار من الضروري إيجاد الحلّ في سبتمبر1948  - يجب أن يراعى في الحلّ إتخاذ رغبات السكّان وحاجاتهم بعين الإعتبار،مع المحافظة على السلم والأمن العالميين ومصالح الدول الأخرى ذات العلاقة- يواصل وكلاء الوزارات الأربع بحث القضيّة وتقديم مقترحاتهم إلى وزراء الخارجيّة،وعليهم في سبيل إنجاز مهمّتهم إرسال لجان تحقيق إلى المستعمرات المذكورة لاستطلاع وجهات نظر سكّانها. وانتهزت الحكومة الإيطاليّة الفرصة فقدّمت في أكتوبر 1947 مذكّرة مطوّلة لوزراء خارجيّة الدول المنتصرة أشادت فيها بالإنجازات التي حقّقتها في مستعمرتها الليبيّة،حتى أنها صوّرتها بأنها تكاد تكون معجزة إذا أخذ المرء بعين الإعتبار ما اعترض هذه الأعمال من عقبات والتي كان سببها الأعمال العسكريّة التي استمرت في طرابلس حتى عام 1925 وفي برقة حتى عام 1931– دون أن تذكر أن أسباب هذه العمليّات العسكريّة هي مقاومة الشعب الليبي الباسلة ضد الإحتلال والتي لم تتوقّف طيلة استعمارها للبلاد حتى عام  1931تاريخ شنقق زعيم المقاومة الشيخ المسنّ عمر المختار- واستطردت المذكّرة لتفتخر بالقانون الأساسي الذي أصدرته عام 1919 وأصبح الليبيون بموجبه "مواطنين إيطاليين مع احتفاظهم بأحوالهم الشخصيّة وفقا للشريعة الإسلاميّة... وهذا كان الأساس للحكم الذاتي للسكّان الليبيين الذين حقّقوا عمليّة الإندماج دون مساس بوهويّتهم وعاداتهم وتقاليدهم" والحكومة الإيطاليّة بهذا القول زيّفت حقائق التاريخ،التي تثبت أن دولة الإستعمار سرعان ما تنكّرت لهذه "الإنجازات" ولم تسمح لوفد الحركة الوطنيّة التي أعلنت "الجمهوريّة الطرابلسيّة" تتويجا لنضال الشعب،بمقابلة مسئوليها،عندما زار روما للتفاوض حول تنفيذ نصوص القانون،عدا مقابلته القصيرة لوزير المستعمرات بعد مضيّ ستة أشهر من الإنتظار،ليبلغهم أن عليهم أن يطلقوا سراح الأسرى الإيطاليين ولا شيء غير ذلك! كما أسقطت المذكّرة عمدا ذكر أن هذه "الإنجازات" حدثت قبل مجيء الحكم الفاشي الذي ألغى كلّ الأتفاقات،واقترف جرائم الشنق والتقتيل وابتكر المحكمة الطائرة وإقامة معتقلات الإبادة الجماعيّة للسكّان الأبرياء العزّل قبل أن يقيمها الحكم النّازي لليهود في ألمانيا وجاراتها بأكثر من عشر سنوات.. وبعد ذلك أوردت المذكّرة بالأرقام ما صرفته إيطاليا منذ ميزانيّة 1913 1914حتى ميزانيّة 1941-1942 والذي بلغ مليارا وثمانمائة مليون ليرة(بسعر الصرف قبل الحرب). والأغرب من هذا كلّه أن مندوبي إيطاليا في مناقشات القضيّة برّروا دعاوى حكومتهم في الوصاية على طرابلس الغرب،بأن إكتظاظ إيطاليا بالسكّان مع قلّة الموارد الإقتصاديّة،يجيز لها أن تحصل على أراضي خارجيّة تخفّف من الأزمة.وكانت هذه بالضبط الحجّة التي أعلنوها كمبرّر للغزوعام 1911 .

وجدير بالذكر أن الحركة الوطنيّة الليبيّة لم تتوان عن مخاطبة الدول الأربع المنتصرة موضّحة من ناحيتها مطالب الشعب الليبي مسنودة بالموقف العربي الموحّد الذي اتخذه الملوك والرؤساء العرب في اجتماعهم بأنشاص بالقاهرة يومي 28 و 29 مايو عام 1946 "متفقين تمام الإتفاق على أن إستقلال ليبيا أمر طبيعي وعادل وأن حكوماتهم متفقة على ضرورته لأمن مصر والبلاد العربيّة وأن على الجامعة العربيّة أن تهييء الأسباب لهذا الإستقلال وأن تتعهّده بالرعاية اللآزمة لظهور حكومة عربيّة في تلك البلاد ومعاونتها أدبيّا وماديّا حتى تستطيع النهوض بمسئوليّتها داخلا وخارجا كعضو من أعضاء جامعة الدول العربيّة" وعلى الفور تكتلّت تيّارات الحركة الإستقلاليّة الوحدويّة في طرابلس وبرقة وعقدت سلسلة مشاورات أبرقت على أثرها "الجبهة الوطنيّة المتحدة" في طرابلس- بمجرّد تشكيلها- بمطالب الشعب الليبي إلى مجلس وزراء الدول الأربع الكبرى في يونيو 1946،وإرسل لجنة تقصّي حقائق لمعرفة آراء الشعب الليبي،على أثر ما تناقلته الأنباء من تحرّك فرنسي بريطاني يسعى إلى عودة إيطاليا لحكم طرابلس الغرب. كما أن "هيئة تحرير ليبيا" التي شكّلها في القاهرة بتاريخ 23 مايو 1947 الزعماء الوطنيّون اللاجئون إليها جرّاء البطش الفاشيستي،أرسلت مذكّرة إلى الوزراء المذكورين،وذلك غداة توقيعهم معاهدة الصلح مع إيطاليا. وقد بيّنوا فيها مطلب الوحدة بين أقاليم البلاد الثلاثة التي ربطت بينها الجذور والعناصر التاريخيّة والإثنيّة،وضرورتها الإقتصاديّة،وكذلك مطلب الإستقلال الذي خاض الشعب الليبي الصراعات من أجله،وحقّقه عبرالسنين،منوّهين بأن إتفاقيتي لوزان عام 1912 وعام 1923 بين تركيا وإيطاليا،وتنازل إيطاليا عن المستعمرة الليبيّة بموجب إتفاقيّة الصلح تسوّغ جميعها حقّ الشعب الليبي في أن يدير زمام أموره بنفسه كامل الإستقلال والسيادة على أراضيه. كما نشطت ألأمانة العامّة للجامعة العربيّة وخاصة الوفود العربيّة وعلى رأسها الوفد المصري في تبنّي هذه المطالب.تنفيذا لقرارات الرؤساء العرب.

وفعلا كوّنت الدول الأربع الكبرى لجنة التحقيق المذكورة من أربعة ممثلين. وبعد زيارتها لكل من أريتريا والصومال،جاءت إلى ليبيا في 6 مارس 1948 وتجوّلت فيها حتى العشرين من مايو،حيث اتصلت بمسئولي الإدارت العسكريّة في الأقاليم الثلاثة،وكذلك بممثّلي الأحزاب السياسيّة والهيئات والأفراد،بمن فيهم ممثلو الجاليتين الإيطاليّة واليهوديّة.

وفي الأوّل من يوليو قدّمت اللجنة تقريرها لمجلس الوكلاء،وملخّصه: معظم سكّان ليبيا أمّيون وفي حالة بداوة – تفتقر البلاد بأجمعها،وفي أي إقليم منها،لموارد الإكتفاء الذّاتي ولذا لابدّ لها من عون خارجي- تُجمع الأحزاب السياسيّة الرئيسيّة على استقلال ليبيا ووحدتها وانضمامها كعضو في جامعة الدول العربيّة – اشترط المؤتمر الوطني البرقاوي،الذي يضمّ بصفة خاصّة شيوخ القبائل وشخصيّات مقرّبة من جمعيّة عمر المختارالممثّلة لإنتليجينسيا المدن ويرأسه أفراد العائلة السنوسيّة،أن تتمّ الوحدة في شكل ملكيّة وراثيّة على رأسها الأمير محمد إدريس السنوسي،وأن لا يُسمح للإيطاليين بالعودة إلى برقة مهما كانت الأحوال- لمّحت اللجنة إلى رغبة الأمير إدريس في عقد معاهدة تحالف مع بريطانيا-إن الأقليّة الإيطاليّة في طرابلس ترغب في عودة البلاد إلى الحكم الإيطالي،وهو ما يرفضه أهل طرابلس رفضا باتّا – أبدى السكّان الرغبة الأكيدة في إنهاء حكم الإدارتين العسكريّتين البريطانيّة في برقة وطرابلس،وإن تردّدوا بالنسبة للإدارة الفرنسيّة في فزّان.

وعندما عُرض التقرير المذكور على مجلس وزراء الخارجيّة الأربعة في 3 سبتمبر 1948 تضاربت مواقفهم حول القضيّة مجدّدا: فاقترح الفرنسي تأجيل البتّ فيها لمدّة سنة إضافيّة،وارتأى الرّوسي أن توضع جميع المستعمرات تحت وصاية الأمم المتحدة المشتركة،بينما تقدّم البريطاني والأميريكي باقتراح يدعو إلى وضع برقة تحت الوصاية البريطانيّة ويُترك تقرير وضع طرابلس وفزّان إلى وقت آخر. وقد تباينت مواقف تسع عشرة دولة أخرى "ذات علاقة" باعتبارها موقّعة على إتفاقيّة الصلح مع إيطاليا،وفقا لاتجاهات الأربع الكبرى. فيما عدا مصر (مطالبة بالإستقلال أو وصاية الجامعة العربيّة أو أحد أعضائها،مع تعديل حدودها مع ليبيا لصالحها)،والباكستان (الوحدة والإستقلال تحت التاج السنوسي مع إشراف دولي بمشاركة مصر)،والهند (وصاية الأمم المتحدة)

الصراع الأممي:

وأمام هذا الفشل تقرّر أن تحال القضيّة برمّتها إلى الدورة الثالثة للجمعيّة العامّة العادية المقرّر انعقادها بباريس في 15 سبتمبر 1948. ورغم إدراجها في جدول الأعمال،إلاّ أنها لم تناقش إلاّ في منتصف الدورة الثانية لاجتماع نيويورك (ليك ساكسيس) في أبريل 1949. ولقد اتضح أن الصراع بين الدول الأربعة الكبرى لم يكن مردّه إلى أمور تتعلّق بمصيرسكّان ليبيا وإعادة تعمير بلادهم التي دمّرتها الحرب تدميرا شبه كامل مع قتل وتشريد مئات الألوف من أبناء شعبها الصغير،كما لم تكن بليبيا – ومعظمها صحراء قاحلة شاسعة- موارد أو قدرات إقتصادية تُغري باستغلالها أو تقاسمها. بل كانت المصالح الجيوبوليتيكيّة لكل من الدول الأربعة هي التي تحكّمت في مواقفها. فكانت نيّة بريطانيا،دولة الإدارة العسكريّة المحتلّة في إقليمي برقة وطرابلس وتتبعها فرنسا،دولة الإدارة العسكريّة المحتلّة في إقليم فزّان،مبيّتة على ترسيخ بقائهما مع قواعدها العسكريّة التي أقامتها في البلاد لأطول مدّة ممكنة،مؤيّدتين من الولايات المتحدة التي استولت على مطار الملاّحة الجويّ في طرابلس وأصبح من أهمّ قواعدها العسكريّة في العالم. وهذه الدول الثلاث حرصت على احتفاظها بالموقع الستراتيجي العسكري لليبيا،غداة بروز نُذر الحرب الباردة،وعملت على حرمان الإتحاد السوفييتي من هذه الميزة. ولذلك فتحويل كامل الملفّ إلى الأمم المتحدة أضفى الطّابع الدولي على القضيّة،وانتشلها من دائرة المساومات والصفقات السريّة وجعلها علنيّة أمام أنظار الرأي العام الدّولي. وهنا يمكن القول إن شرارة الحرب الباردة متمثّلة في الإتهامات المتبادلة بين المعسكرين الشرقي والغربي برزت للعلن أثناء المداولات حول قضيّة ليبيا،فالتحالف السّابق بينهما أملته الحرب ضدّ المحور عام 1941،وكان إلتزاما شخصيّا من الرئيس روزفيلت لمساعدة الإتحاد السوفييتي دون أن يصوّت عليه الكونجرس. وفي مؤتمر يالطا عام 1945 شعر الجانبان بالنوايا العدوانيّة المضمرة ضدّ بعضهما البعض،فستالين رغب في نشر الشيوعيّة في البلدان المجاورة لبلاده والذي أفضى إلى تكوين الكومنترن،وأميريكا أخذت في تعزيز قواعدها العسكريّة وسيطرتها الإقتصاديّة في أوربّا الغربيّة،وجاء مشروع مارشال دليلا على ذلك. ولكن الصراع على المستعمرات الإيطاليّة،ومحورها ليبيا،أظهر العداء بين المعسكرين إلى العلن في أروقة الأمم المتحدة.

وقد قرّرت الجمعيّة العامة إحالة القضيّة إلى اللجنة الأولى (السياسة والأمن) التي طلبت من إيطاليا أن تبعث مندوبين لحضور المناقشات دون الحقّ في التصويت،وباقتراح من وفد باكستان،مدعوما بالوفود العربيّة،وافقت أيضا على الإستماع إلى مندوبي المنظّمات السياسيّة والأهليّة في ليبيا،التي حضر عنها ممثّلون من:"هيئة تحرير ليبيا"(المشكّلة من بعض زعماء طرابلس في المهجر) و"المؤتمر الوطني البرقاوي" و"الجمعيّة الوطنيّة للاّجئين من ليبيا وشرقي أفريقيا" و"جمعيّة قدامى الموظّفين الليبيين" و"ممثّلي الطّائفة اليهوديّة في طرابلس".. ولكن شقّة الخلاف إزدادت بين المعسكرين حول مصير ليبيا،لأن الإتحاد السّوفييتي طالب بانسحاب القوّات البريطانيّة منها وأن توضع تحت وصاية الأمم المتحدة،ولكن بريطانيا والولايات المتحدة تعلّلتا بأن السلام لن يتمّ في المنطقة بوصاية الأمم المتحدة التي تفتقر إيضا إلى الموارد الماليّة والفنيّة اللازمة. وهنا تبلورت تكتّلات العالم الثالث آنذاك حول المعسكرين المتخاصمين: فتكتّل دول أمريكا اللاتينيّة ناور بإقتراح تأجيل النظر في القضيّة حتى الدورة الراّبعة للجمعيّة العامّة،وفي الأثناء تشكّل لجنة من بريطانيا وأمريكا وفرنسا ومصر،لتقوم بوضع مشروع قرار يحدّد الشروط والمدّة التي توضع فيها ليبيا تحت الوصاية. وعند النقاش فشل تمرير هذا الإقتراح،فتحوّلت هذه الكتلة إلى التقدّم باقتراح آخر يدعو إلى وضع ليبيا تحت الوصاية الإيطاليّة. وفي الجانب المقابل تكوّنت كتلة مضادّة من الدول العربيّة والأسيويّة مسنودة من الكتلة السّوفييتيّة تطالب بمنح ليبيا الموحّدة الإستقلال الناجز.

إنكشاف المؤامرة:

وأمام هذه الخلافات شكّلت اللجنة الأولى لجنة فرعيّة لكي تقدّم مشروعا يرضي جميع الأطراف. ولكن عندما اجتمعت هذه اللجنة الفرعيّة في يومها الأوّل،جاء الخبر بأن إرنيست بيفين وزير خارجيّة بريطانيا والكونت كارلو سفورزا وزير خارجيّة إيطاليا توصّلا إلى اتفاق تسوية في لندن حول المستعمرات تقوم على أساس الوعد الذي أعطته بريطانيا للسيد إدريس السنوسي أثناء الحرب،بألاّ يسمح لإيطاليا بالعودة لحكم إقليم برقة،الذي يوضع تحت وصاية الأمم المتحدة وتتولّى بريطانيا إدارته،وتوضع طرابلس الغرب تحت نفس الوصاية وتتولّي إيطاليا إدارته،وتوضع فزّان تحت الوصاية مع تولّي فرنسا إدارته،على أن تصبح ليبيا دولة مستقلّة بعد نهاية عشر سنوات من الوصاية المذكورة،فإذا ماوافقت الأمم المتحدة فإن إدارة إيطاليا لطرابلس الغرب تبدأ في عام 1951،وهو الموعد الذي تنهي فيه الإدارة العسكريّة البريطانيّة المؤقّتة للبلاد. ونصّ المشروع أيضا على تكوين مجلس إستشاري مكوّن من الدول التي ذكرها المشروع اللاتيني ومعها ممثّلون عن شعب البلاد،وتتحدّد مهمّاته بالتشاور مع الإدارات الوصيّة الثلاث،التي بدورها تقوم بالتعاون والتنسيق فيما بينها بحيث لا يُعرقل نيل البلاد لاستقلالها.ويكون مجلس الوصاية مسئولا عن تنفيذ المشروع. ولمّا عُرض المشروع على اللجنة أثار عاصفة من النقد خاصة من أعضاء الكتلة العربيّة الأسيويّة مؤيّدة من الكتلة السوفييتيّة،وانصبّ النقد على كون المشروع اتفق عليه خارج الأمم المتحدة،وما هو إلاّ تقاسم مصالح بين الدول الأجنبيّة،متجاهلا مطامح ورغبات أهل البلاد،وأنه وضع اللبنات لتقسيمها على الرغم من أن مبدأ الوحدة كان مقبولا من الجميع. وقدّمت الوفود المعارضة عدّة تعديلات عليه،رُفضت جميعها أثناء التصويت،ماعدا تعديل نرويجي يدعو إلى أن يكون استقلال البلاد تلقائيّا بعد مرور السنوات العشر،ما لم تقرّر الجمعيّة العامّة غير ذلك. وحين طُرح مشروع القرار على الجمعيّة العامّة للتصويت يوم 13 مايو على أساس فقرة فقرة نال الأغلبيّة لتكاتف الكتلة اللآتينيّة والأوربيّة،ماعدا الفقرة المتعلّقة بوصاية إيطاليا على طرابلس الغرب،فقد حصلت على 33 صوتا ضدّ 17 صوتا وامتناع 8 أصوات،أي بأقلّ صوت واحد عن غالبيّة الثلثين المقرّرة. وكان صوت مندوب هايتي (إميل سان لو) ضمن المعارضين، وبما أن كتلة أمريكا اللآتينيّة صُدمت لفشل التصويت على هذه الفقرة،فإنها لم تدعّم الفقرة المتعلّقة بوصاية بريطانيا على برقة،وبذلك سقط المشروع بمجمله لأنه نال 14 صوتا ضدّ 37 صوتا تمثّل الكتلة العربيّة الأسيويّة مع الكتلتين السوفييتيّة وأمريكا اللآتينيةّ و 7 إمتناع عن التصويت.

وقد أعطى ممثّل بريطانيا المستر ماكنيل أثناء تقديمه لمشروع القرار مبرّرات له،منها ما تكبّدته بلاده من خسائر لتسديد عجز الميزانيّة الذي عانته الأقاليم الثلاثة في الفترة من إحتلالها حتى 30 يونيو1949 والذي بلغ بالنسبة لبرقة 2,767,101 وطرابلس الغرب 2,588,235 جنيها إسترينيّا،مؤكّدا أن الوصاية على برقة هو تمهيد لاستقلالها مع بقيّة أنحاء ليبيا وجاء مكافأة لما قدّمه السيّد إدريس وشعبه للحلفاء في الكفاح ضد الفاشيستيّة. وقد أيّده وزير الخارجيّة الأمريكي المستر دالاس متعلّلا بفشل الدول الأكبرى في الوصول إلى تسوية،ممّا يجعل الأمر الواقع يفرض نفسه،وهو أن بريطانيا هي القائمة على إدارة البلاد،مكرّرا الإدّعاء أن الوصاية هي لفترة مؤقتة،وتحافظ على وحدة ليبيا،مؤكدّا أن بلاده تعارض الطراز القديم للإستعمار،وأن الوصاية سواء من الأمم المتحدة أو إحدى أعضائها هي خلاف ذلك.. وقد تدخّل المندوب البولندي المستر كاتز- سوشي عدّة مرّات،تساءل في إحداها إذاكان إحتلال ليبيا يكبّد الخزانة البريطانيّة مصاريف باهظة،فلماذا تستمرّ في التمسّك به؟ وكان ردّ ماكنيل هو الرّغبة في مكافأة السنوسيّة على تحالفها،وأن الإحتلال البريطاني أمر واقع أفرزته الحرب،ولا يمكن لبريطانيا ترك البلاد مدمّرة،والغرض من سرده للمصروفات أريد به تبصير الأمم التحدة بها إذا ما تولّت الوصاية.. ولكنّ المندوب البولندي فنّد هذه الأسباب وكرّر أن الهدف هو بقاء الإحتلال الأجنبي للبلاد ببقاء القواعد،ولا معنى للقول الأنجلو-أمريكي إن الوصاية تجيزها أتفاقيّة الصلح،طالما المندوب البريطاني يعيد التأكيد أنها جاءت وفاء من بريطانيا لعهودها للسنوسيّة. وكان المستر جروميكو قد تدخّل حول نفس النقاش،وخطّأ ماكنيل في مزاعمه عن التكاليف،لأن تقرير لجنة التحقيق الرّباعيّة ذكرت أن العجز في برقة وصل 1,800,000 وفي طرابلس 800,000 (وأورد نفس الأرقام المتعلّقة بإريتريا والصومال) ليستطرد إلى القول إن بريطانيا استولت في هذه البلدان على معدّات وأجهزة ومصانع،ونقلتها غداة احتلالها،تفوق قيمتها عشر مرّات ما صرفته،متسائلا هل يعتقد المندوب البريطاني أننا لم نقرأ التقرير؟ وعمّا اتّهم به الإتحاد السوفييتي من تعاطف مع إيطاليا،متوقّعا فوز الحزب الشيوعي في إنتخاباتها،أوضح جروميكو: أن حكومته أيّدت المقترح الفرنسي بالوصاية عام 1946 ولم تجر آنئذ إنتخابات في إيطاليا،بل جرت عام 1948 أي بعد عامين. وخلالها قام زعماء بريطانيا وأمريكا بالحملات الدعائيّة لصالحهما.

التصدّي الشعبي لإحباط المؤامرة:

وما أن سمع أبناء الشعب الليبي بنبأ مشروع بيفين – سفورزا حتى اندلعت المظاهرات في المدن الرئيسيّة،وجرت أعمال شغب ومصادمات دمويّة " نقلتها جريدة نيويورك تايمس في تقرير صحفي لها بتاريخ 18 مايو جاء فيه"أن عشرين ألفا من العرب (في طرابلس) شاركوا في مظاهرة ضدّ خطّة وضع طرابلس الغرب تحت الوصاية الإيطاليّة بحلول عام 1951. وقد هتف المتظاهرون بحياة الإتحاد السّوفييتي وندّدوا بشدّة بالبريطانين والأمريكيين والإيطاليين،وجاء الفرسان من الصحراء ينادون باستقلال ليبيا ووحدتها... ويوم أمس انتشرت المظاهرات إلى جادو وزنزور وزليطن ومصراته والعزيزيّة وسوق الجمعة...وبلغ عدد الجرحى ما لا يقلّ عن خمسن وأربعين جريحا،ومُنع الأمريكيّون والبريطانيّون والفرنسيّون من الخروج إلى الشوارع،ويوم أمس حُرق العلم الإيطالي،والعلم الأمريكي في اليوم الذي سبقه،وعُلم أن السلطة البريطانيّة أصدرت منشورا توضّح فيه الفرق بين جمهوريّة إيطاليا الحالية ونظام موسّوليني،متعهّدة أنه بعد ثمان سنوات ستُمنح طرابلس الغرب الإستقلال. ومن ناحية أخرى دعا ممثلو حزب المؤتمر الوطني وهيئة تحرير ليبيا إلى عدم التعاون مع السلطات البريطانيّة ورفض الإنصياع لتدابير الطواريء التي أعلنتها،وما يزال الإضراب العام مستمرّا ولا يلوح ما يشير إلى انتهائه قريبا...ورفع العلم السنوسيّ في عدّة مدن وعلى المساجد الرئيسيّة . وقد أبرقت منظّمة شباب بنغازي من أجل الإستقلال إلى وزير الخارجيّة إرنيست بيفين تصف خطّته مع الوزير الإيطالي سفورزا،بأنها غير أخلاقيّة وتتنكّر للوعود البرطانية للشعب الليبي،محمّلة الحكومة البريطانيّة مسئوليّة ما ينجم عن الإضطرابات". وانهالت برقيّات التنديد والإستنكار،من الأحزاب والشخصيّات الليبيّة،على مقرّ الأمانة العامّة للأمم المتحدة والجامعة العربيّة ووزراء خارجيّة الدول الكبرى،وهدّد بعضها بالعودة إلى الكفاح المسلّح لمنع عودة الإستعمار الإيطالي،وتحقيق الإستقلال. وإضافة إلى رفض الوفود العربيّة ومعها الكتلة السوفييتيّة للمشروع،ندّد به أيضا ظفر الله خان وزير خارجيّة باكستان،ولو أنه،خشية تقسيم ليبيا،طالب بحلّ بديل وهوالوصاية الدّوليّة عليها تمهيدا لمنحها الإستقلال كدولة موّحدة. كما أن وفد هيئة تحرير ليبيا الذي جاء برعاية جامعة الدّول العربيّة والمكوّن من منصور بن قداره ود. علي العنيزي والمستشار د.فؤاد شكري قام بجهد مكثّف دؤوب،ومعه وفد المؤتمر الوطني البرقاوي المكوّن من عمر شنّيب وعبد الحميد العبّار (رفيق الشهيد عمر المختار في المقاومة معتمرا الزيّ الوطني) وخليل القلاّل. وقد توصّل الوفدان إلى صياغة مذكّرة مشتركة تؤكّد إجماع ممثلي الشعب الليبي في الأقاليم الثلاثة على الوحدة والإستقلال تحت تاج السيّد إدريس السنوسي،وُزّعت على جميع الوفود. وواضح من هذه المذكّرة الموقّع عليها أن الوفدين أحسّا في تلك الفترة الخطيرة التي تتقاذف فيها المطامع الأجنبيّة مصير البلاد بضرورة توحيد الموقف بالتأكيد على وحدتها واستقلالها تحت تاج السيد إدريس السنوسي،فسدّ هذا الموقف الموحّد الثغرات أمام المناورات الغربيّة. والجدير بالذكر هنا أن الوفد الليبي توجّه أيضا نحو الناشطين في حركة الأمريكيين السّود،فعقد بمعيّة ممثّلين من مصر وإثيوبيا والصومال وأريتريا،إجتماعا سرّيّا يوم 4 مايو 1949 – في غمرة النقاش المحموم حول مؤامرة بيفين – سفورزا مع زعماء "الحركة الوطنيّة الأفريقيّة المتحدة" بفندق (تيريزا) بحي هارلم،نيويورك،وكان يمثّلها: Grover Jhons-Al Stevens-AI.Jhonson-Arthur Reid-James R.Lawson واتخذوا القرارت التالية:"(1) فلتخرج إيطاليا من أفريقيا 2)) فلينته الإستعمار الأوربّي 3)) أفريقيا للأفريقيين 4)) لا للوصاية الأوربيّة مطلقا((5 على الموفدين إبلاغ جماهير هارلم يوم 29 مايو. كما قرّر المؤتمر متابعة قضيّة المستعمرات الإيطاليّة كلّ يوم جمعة". وكذلك الإتصال مع الوفود،لا سيّما الوفد الأمريكي لكسب تأييده،وتعبئة المواطنين السّود الأمريكيين للتضامن مع إخوانهم الأفارقة. وفعلا أثّرت هذه الإتصالات في تعديل مواقف الوفد الأمريكي.أثناء المداولات الكثيرة. ويذكر هنا أن الوفد الليبي كثّف من نشاطه ببقيّة الوفود،وفي لقائهم مع وزير الخارجيّة الأمريكي دالاس حاول تبرير موقف حكومته في تأييد المشروع بعدم الحكمة من منح الإستقلال لبلدان صغيرة الحجم غير مؤهّلة له إقتصاديّا. وكان جواب الوفد المفحم أن دولة أيسلاندا وعدد سكّانها لايتجاوز مائة وعشرين ألفا نالت إستقلالها وكانت من مؤسّسي الأمم المتحدة،فكيف لا يحقّ ذلك لليبيا وعدد سكّانها يتجاوز المليون. والمعروف أن صوت (إميل سان لو) ممثّل هايتي كان حاسما في أفشال مشروع بيفين –سفورزا،وبالإضافة إلى الإتصالات التي أجراها معه الوفد الليبي،وخاصّة د.على العنيزي،فالرجل لم يفاجيء أحدا بموقفه النبيل،فقد اطّلع محرّر هذه الورقة على محاضر الجلسات في اللجنة المختصّة والجمعيّة العامّة،وقرأ المداخلة الحارّة التي ألقاها إميل سان لو يوم 5 مايو 1949،والتي رفض فيها قبول مشروع أمريكا اللآتينيّة وهي التي تنتمي إليها بلاده،وكذلك المقترح البريطاني لأنهما تجاهلا رغبات الشعب الليبي كما عرضتها وفوده في المداولات،وتتعارضان مع مباديء الميثاق. ومن بين أقواله :"إنني كممثّل لشعب مضى متقدّما في مسيرته دون توقّف،من حالة العبوديّة إلى حالة الإستقلال الكامل،يعتقد بأنه لا يمكن للجمعيّة العامّة،إن التزمت العدل،أن تتنكّر لمطالب أمّة مهيّئة للإستقلال".

                                                        ***

منجزات الكفاح الداّمي:

كلّ هذه الدسائس والمناورات من قبل الدول المنتصرة والتابعة لها،والتي تقاذفت مصير ليبيا الضحيّة البريئة لكلا الإستعمار وكوارث الحرب،ما كانت لتجد نهايتها بصدور قرار الجمعيّة العامّة باستقلال ووحدة ليبيا وسيادتها ضمن حدودها الطبيعيّة،لولا التناحر الذي اندلع بينها عشيّة الحرب الباردة،ولكن أيضا لولا النضال المرير للشعب الليبي الصغير الذي دفع فيه ثلث عدد سكّانه بين تدمير وتقتيل وإبادة وتشريد. ومن الضروري تقديم صورة سريعة لهذا النضال وما أنجزه،ليس في ساحة حرب التحرير فقط،،ولكن أيضا في مضمار المكاسب الديمقراطيّة وحقوق السيادة الوطنيّة :

فالمقاومة المسلّحة للإستعمار الإيطالي الذي غزا ليبيا منذ سبتمبر 1911،استطاعت إن تُلحق الهزائم بقوّات الإحتلال الإيطاليّة إعتبارا من آخر سبتمبر 1914 والتي تزامنت مع تورّط إيطاليا في الحرب العالميّة الأولى،إذ تفاقمت إنسحابات هذه القوّات بشكل متسارع في جميع مواقع القتال حتى لم تتمكّن إلاّ من التحصّن في السّاحل في كلّ من طرابلس وزواره. هذا في إقليمي طرابلس وفزّان،إمّا في إقليم برقة فأمام إنسحابات القوّات المحتلّة بدأ إقتطاف النتائج الأوليّة لهزائمها عندما تولّي السيد إدريس زعامة المنظّمة السنوسيّة،عقب رحيل زعيمها السيّد أحمد الشريف جرّاء هزيمته في المعارك ضدّ القوّات البريطانيّة على الحدود المصريّة عام 1915 . ونال السيّد إدريس الإستقلال الذاتي على واحات الإقليم وأقام مقرّ حكومتة في أجدابيا مع منحه لقب أمير،وتكوين جيش وشرطة وموّظفين،كنتيجة لمفاوضات (الزويتينة) مع السلطة الإيطاليّة في مايو ويونيو عام 1916 بوساطة إنجليزيّة،ثم في مفاوضات (عكرمة) بالقرب من طبرق في أبريل عام 1917 والتي أسفرت عن (إتفاق مؤقّت) ModusVivendi مما مهّد الطريق نحو توقيع اتفاقيّة الرجمة في 25 أكتوبر 1920 وبموجبها صدر القانون الأساسي لبرقة متضمّنا حقوقا مدنيّة مماثلة لما يتمتّع به الإيطاليون،وتشكّل أوّل برلمان لبرقة اجتمع خمس جلسات.

ورغم مراوغات الإستعماريين في منح الإستقلال الذّاتي الحقيقي للسلطة السنوسيّة،وتصميمهم على إحداث الشقاق والإنفصال مع الحركة الوطنيّة في طرابلس،إلاّ أنه نتجت عن الإتفاقيّات تبدّلات تاريخيّة هامة منها: 1) تحوّل السنوسيّة من حركة دينيّة محصورة في الدواخل فقط، إلى كيان زمني يمارس السلطات المدنيّة،وإن في نطاق ضيّق. 2) زادت من إبراز ملامح سياسيّة مميّزة لإقليم برقة. 3) رسّخت للسيّد إدريس مركزا قيادياّ سياسيّا ذا شرعيّة ودفعته الى خوض الغمار السياسي الذي يلائم العصر،إلى أن تحقّقت المطامح الوطنيّة في الوحدة والإستقلال في نهاية لمطاف.

أمّا في طرابلس فإن حركة المقاومة الشعبية تعاظم شأنها بانتصارات رمضان السويحلي التي أعقبت موقعة القرضابيّة وبدعم لوجيستي تركي-ألماني. وأُعلنت الجمهوريّة الطرابلسيّة في 16 نوفمبر 1918 وترأسّها مجلس مكوّن من السويحلي والباروني والمريّض وبالخير،وعلى أثر ذلك لجأت الإدارة الإستعماريّة إلى المناورة،فدخلت في مفاوضات مع الزعامة الوطنيّة في مارس 1919 والذي أسفر عن صلح (بن يادم) في يونيو من نفس السنة، وبموجبه صدر القانون الأساسي الطرابلسي، وهو مثل نظيره في برقة، يعطي بعض الإمتيازات ويحفظ بعض الحقوق،وعُيّن مجلس إستشاري من الأعيان وزّعت الإدارة الإستعماريّة اختصاصاته، دون أن يباشرها فعليّا، ضمن لعبة التسويف والمماطلة التي اتبعتها، ممّا دعا المجاهد رمضان السويحلي الى إصدار تحذير الى المواطنين يدعوهم الى التيقّظ تجاه الخديعة الإيطاليّة. وحتى يمتحن حقيقة نوايا إيطاليا الإستعماريّة أرسل خطابا شخصيّا موقّعا منه وبخطّ يده الى رئيس الحكومة الإيطاليّة جوفانّي جوليتي يسرد فيه ما مرّ بين الجانبين من أحداث مؤلمّة،ويؤكّد له فيها الرغبة في تحقيق الإستقلال مع الصلح ويختمها بقوله "أصبحنا ننظر الى حياة اتفاق بين إيطاليا والعرب مبنيّة على الإعتماد والثقة بسرور ونعدّها في حيّز الممكن،ولذلك سنصبر ونوصي بالصبر حتى يتحقّق ما ذكرناه لكم ويكون عندكم الوقت الكافي لإدراك حقيقة وطننا بعد الحرب العامة وترون بأنفسكم ضرورة المطالب التي تسعد بها بلادنا وتنالون مآربكم السياسيّة والإقتصاديّة. وتفضّل أيها الوزير الكبير فائق احترامنا ومزيد سلامنا" وكان تاريخ هذه الخطاب التاريخي الهام في 8 أغسطس 1920 قبل أيّام قليلة من وفاة السويحلي. ولكن الدوائر الإستعماريّة رفضت عروض الصلح والحلول الوسطى،ولجأت إلى بث الفتنة،وإشعال الحرب الأهليّة ليسهل عليها إحكام قبضتها الإستعماريّة.

وأمام هذا لم تتردّد زعامة الجمهوريّة، وعقدت مؤتمر غريان في نوفمبر 1920 برئاسة أحمد المريّض الذي تأسّست فيه (هيئة الإصلاح المركزيّة) كظلّ لحكومة مؤقتة كما قرّرت فيه بتاريخ 21 يناير 1922 "إنتخاب أمير مسلم تكون له السلطة الدينيّة والمدنيّة داخل دستور ترضاه الأمّة... ويجب إنتخاب مجلس تأسيسي من الفريقين لوضع القانون الأساسي" ثمّ ألحقته بكتاب البيعة الصريحة للسيّد إدريس كأمير على القطرين في نوفمبر من نفس السنة. وفي جوابه بقبول البيعة قال السيّد إدريس "لقد اشترطتم عليّ الشورى وهي أساس ديننا وسأعمل على قاعدتها"،وقرّر مؤتمر غريان إرسال وفدين أحدهما يحمل البيعة للسيّد إدريس،والثاني إلى روما وبعضويّة فرحات الزاوي وخالد القرقني ونوري السعداوي وعبد السلام البوصيري والصادق بالحاج النائب في المبعوثان. وقد امضى الوفد هناك ستة أشهر لم يقابله فيها أحد من المسئولين سوي أعضاء من الحزبين الإشتراكي والشيوعي المعارضين،مظهرين تعاطفهم مع القضيّة الليبيّة،ونتيجة لضغط هؤلاء الأعضاء اضطرّ وزير المستعمرات لمقابلتهم.وحسب رواية نوري السعداوي أبلغهم الوزير بهذا الرفض القاطع لمطالبهم قائلا "لقد كان القصد من دعوتي لكم مجرّد الإستماع لشكواكم كأفراد لا كوفد رسمي يمثّل البلاد، ومع ذلك فإني أدعوكم للعودة الى بلادكم والسعي لإقناع المقاتلين من الأهالي بتسليم ما بإيديهم من السلاح الى الحكومة المحليّة الإيطاليّة والإتفاق معها على إجراء انتخاب مجلس يمثّل الأهلين ويكون من حقّ أعضائه مفاوضة الحاكم العام الإيطالي فيما يعود على مصلحة البلاد". ومن هنا بان جليّا أن الحكومة الإيطاليّة قد قلبت ظهر المجن، فبعد أن أطلق المجاهدون سراح أسراها (بلغ عددهم 450 أسيرا بينهم 14 من كبار الضبّاط) حسب شروط الصلح،استبدّ بها القلق من توصّل المتفاوضين لتوحيد الجهود والقيادة وأخذت تضمر مخطّطا لتدمير الإتفاقات،وهكذا تلاحقت الأحداث.إذ جاء العهد الفاشيستي الذي بطش بالحركة الوطنيّة ومارس التقتيل والإبادة ونهب الأرض الزراعيّة وطرد أصحابها الليبيين إلى فيافي الصحراء،وجلب عشرات الآلاف من المعمّرين الإيطاليين ليحلّوا محلّهم،أي ترسيخ الإحتلال بل وطلينة البلاد لغة وثقافة،واعتبارها الشاطيء الرّابع لإيطاليا،إلى أن جاءت الحرب العالميّة الثانية،وكانت ليبيا مسرحا لها،وعانت منها ما عانت من البؤس والدمار.

ولكن كفاح الحركة الوطنيّة الذي أخمد الفاشيست جذوته بشنق شيخ الشهداء عمر المختارفي 16 سبتمبر 1931،إستمرّ في المهجر،خاصة مصر وسوريا وتونس،التي لجأ إليها زعماء البلاد ونخبتها المثقّفة،ففي الحجاز كان السيد أحمد الشريف يوالي إتصالاته بالمجاهدين ويقوّي من عزائمهم إلى أن قُمعت حركة المقاومة. وفي دمشق تكوّنت عام 1928 "جمعيّة الدفاع الطرابلسي-البرقاوي"بقيادة بشير السعداوي وعمر شنّيب. وفي القاهرة تمحور النشاط حول السيّد إدريس الذي جدّد زعماء الحركة الوطنيّة البيعة له كأمير يمثّلهم تمثيلا حقيقيّا"على أن تكون هيئة منتخبة شوريّة مربوطة به ومربوط بها لتكون الأداة المبلّغة والمعربة عن منتخبيها" وكان ذلك منذ أكتوبر 1939،وقد انضمّت جمعيّة الدفاع في دمشق إلى هذه الوثيقة. ثمّ بايعه الزعماء بموجب وثيقة أخرى بتاريخ 9 أغسطس 1940 "بإعلان الإمارة السنوسيّة والثقة التّامة في الأمير إدريس،وإعلان هيئة تمثّل القطرين وتكون مجلس شورى للأمة،وخوض غمار الحرب مع الحلفاء ضدّ المحور،وتعيين حكومة سنوسيّة تدير شئون البلاد في الوقت الحاضر" وفوضّوه "بمراجعة الدولة البريطانيّة لعقد الإتفاقات والمعاهدات السياسيّة والمالية والحربيّةالتي توفي هذه الغاية وتضمن للوطن حرّيته واستقلاله". وفعلا استعانت القوّات الحليفة أثناء هجومها لتحرير ليبيا،بحمس كتائب ليبيّة قوامها 14,000 من المقاتلين المدرّبين عسكريّا. وتأسّست في 9 أغسطس 1940 وخاضت القتال وساعدت فعليّا قوّات الحلفاء حتى هزيمة المحور. وكانت شروط التعاون مع بريطانيا مقرونة بوثيقة حرّرها السيد إدريس بتاريخ 27 أغسطس من نفس السنة وسلّمها للعقيد بروميلو مساعد الجنرال ويلسون قائد القوّات الحليفة في الشرق الأوسط،إعتمادا على التفويض الممنوح له من زعماء البلاد والذي سبق ذكره. وطالب في الوثيقة بالإستقلال (الدّاخلي) لليبيا تحت حكومة يرأسها أمير،وأن تتعهّد بريطانيا بحمايتها ومساعدتها ماليا،إلى أن تصل إلى مستوى إجتماعي وثقافي ومدني أرقى". جاء هذا بعد تصريح الجنرال ويلسون في يوم 9 أغسطس أمام الزعماء والذي قال فيه "إن إشتراككم مع قوّات صاحب الجلالة في سحق العدوّ المشترك هو تحرير لوطنكم واسترداد أملاككم وحريّتكم واستقلالكم". إلاّ أن الزعماء من الجانب الطرابلسي- بإيعاز من عبد الرخمن عزّام أمين الجامعة العربيّة- أصرّوا على الحصول على وعود ملزمة بنيل البلاد لاستقلالها بعد التحرير،لعدم ثقتهم في وعود بريطانيا –واستصروا هنا غدرها لزعماء الثورة العربيّة الكبرى- وكان ردّ القائد البريطاني: إن ليبيا ما زالت تعتبر تابعة لإيطاليا طبقا لقرار عصبة الأمم،وبحسب قواعد القانون الدولي ليس في الإمكان تغيير وضعيّة البلاد قبل توقيع معاهدة الصلح. والواقع أن حجج الجانب الليبي في هذا الجدل كانت ضعيفة،والحرب مستعرة،ومصيرها غير معروف،يضاف إلى ذلك أن زعماء من الجانب الطرابلسي لمّا تردّدوا في قبول الإنضواء في الجيش (السنوسي) دون التحقّق من الوعود البريطانيّة،سقطت حجّتهم حينما افتتحوا في ضاحية الحلميّة الجديدة بالقاهرة مكتب تطوّع آخر لمساعدة الزحف البريطاني أشرف عليه العقيد بروميلو،في غياب الوعد بالإستقلال،واستمرّ نشاط المكتب لمدّة ستة أشهر. ولكن هذا الخلاف جرّ معه إنقساما في الصفّ الوطني الليبي،أدّى إلى وضع إمارة السيّد إدريس على ليبيا بكاملها محلّ خلاف استمرّ حتى إعلان الإستقلال..

وعندما احتلّ الجنرال ويفيل برقة سنة 1940-41 ضغط الزعماء الليبيّون من أجل أن تمنح بريطانيا الإستقلال لبلادهم،على غرار إعترافها بهيلاسيلاسي كحاكم لإثيوبيا المستقلّة،وتصريح فرنسا الحرّة باستقلال سوريا ولبنان عام 1941،ولهذا قام السيّد إدريس باسمهم بتوجيه رسالة بتاريخ 10 سبتمبر 1941 لوزير الدولة البريطاني في القاهرة أوليفير لايتيلتون طالبا منح بلاده الإستقلال الفوري،ثمّ أردفها باتصالات شخصيّة مع المسئولين البريطانيين،حتى أبلغهم بأن عدم الإستجابة لرغبات السكّان،سيجعل موقفه حرجا إزاء الزعماء،ويدفعه إلى التخلّي عن التعاون مع بريطانيا.

وعلى الرّغم من عدم الحصول على ضمانات من بريطانيا،واصلت الزعامة الوطنيّة في المهجر نضالها الديمقراطي،فشكّل السيد إدريس المجلس الإستشاري المتّفق عليه في 7 يوليو 1941 بموجب مرسوم أميري رقم (1) إعتمادا على تفويضه من زعماء البلاد في البيعات والتفويضات في 1920 و1922 و1939 و1940 المشار إليها. وقيام هذا المجلس أعطى للحركة الوطنيّة صفة تمثيليّة ومرجعيّة في غمار نضالها في المهجر وعلاقاتها مع الأطراف الدّوليّة. كلّ هذا النشاط الدؤوب جعل أنتوني أيدن وزير خارجيّة بريطانيا يصرّح في مجلس العموم بإعلانه المشهور،بتاريخ 8 يناير 1942 والذي جاء فيه – بعد الإشادة بما قدّمه الجيش الليبي من عون في المجهود الحربي- أن الحكومة البريطانيّة "وطّدت عزمها على أنه متى انتهت الحرب لن تسمح بوقوع السنوسيين في برقة تحت النير الإيطالي مرّة أخرى بأي حال من الأحوال". ولكنّ هذا التصريح لا يعني إعطاء الإستقلال،كما أنه بحصره للوعد في إقليم برقة يكون قد سعى إلى بثّ الفرقة داخل الزعامة الوطنيّة،ممهّدا بذلك لمخطّط إستعماري جديد، الأمر الذي خيّب أمل السيّد إدريس،فبعث برسالة مؤرّخة في 23 فبراير 1942 إلى وزير الدولة البريطاني مكرّرا فيها الطلب: (بأن تعلن بريطانيا إستقلال ليبيا الكامل في شئونها الدّاخليّة،وأن تعترف بحاكم مسلم يرأس حكومتها-- أن تضمن ليبيا ضدّ أي هجوم أجنبي – أن تبرم معاهدة مع ليبيا ،يتفق على شروطها-- تعيين لجنة ليبيّة بريطانيّة مختلطة تضع أسس النظام الليبي). ولكن بعد إتمام الإحتلال النهائي لبرقة أصدر الجنرال مونتجمري قائد الجيش البريطاني بيانه في 11 نوفمبر 1942،وممّا جاء فيه "أن الحكومة العسكريّة سوف لن تدخل في المسائل المتعلّقة بالشئون السياسيّة،ولكنها ستعمل على أن تحكم بحزم وعدل،مراعية مصالح سكّان البلاد"مناشدا إيّاهم بالتزام الهدوء وإطاعة أوامره وأوامر ضباّطه!

وكان لتصريح أيدن تأثير فاعل في أحداث البلاد التي أعقبت اندحار إيطاليا وخروجها من ليبيا في فبراير 1943،إذ تعاظم الحراك الوطني من أجل إنهاء الإدارة العسكريّة الجديدة للبلاد،ونيل الإستقلال. وتكوّنت الأحزاب الوطنيّة من أجل هذا الهدف. ففي برقة تشكّلت "جمعيّة عمر المختار" في نفس عام 1943 كحزب سياسي،وإن اتخذ صفة العمل الإجتماعي تفاديا للصدام مع الإدارة العسكريّة البريطانيّة،ثمّ تبعتها "رابطة الشباب"،بينما كوّن السيد إدريس "المؤتمر الوطني البرقاوي"الذي ضمّ شيوخ القبائل والأعيان والتيّارات السياسيّة بهدف توحيد الموقف إستعدادا لمجيء لجنة التحقيق الرباعيّة. وقد نصّ ميثاق الجبهة على "إستقلال برقة الكامل،والإعتراف بالأمير إدريس كملك لدولة برقة الدستوريّة،وبالنسبة لعلاقة برقة بطرابلس الغرب،وبعد ذلك‘ذا ما رغب الإخوة الطرابلسيّون في أن ينضمّوا تحت التاج السنوسي،فإن هذا سيمكّن من توحيد أجزاء ليبيا في دولة واحدة؛وإلاّ فبرقة ستحتفظ باستقلالها الكامل"

وبالنسبةوفي طرابلس تكوّن الحزب الوطني عام 1946 وكذلك "الكتلة الوطنيّة" و"الأحرار" وغيرها. وبعد مخاض وخصومات وانشقاقات داخليّة تشكّلت "الجبهة الوطنيّة المتحدة" من كبار الإعيان. وقد أوفدت مندوبيها إلى القاهرة واجتمعوا مع السيد إدريس وممثلي الزعامة في برقة،وجرت المشاورات وتدوين الوثائق التي تؤكّد تصفية الخلافات،واهمّها الرسالتان المتبادلتان بين ممثّلى الزعامة والسيّد إدريس . وقد جاء في ردّه على رسالتهم بتوحيد الإقليمين تحت رئاسته،في ظلّ دستور تضعه جمعيةّ منتخبة،وذلك بتاريخ 14 يونيه  1946"كيف تكون أصول الحكم؟ إني أرى أنه يجب أن يكون دستوريّا،وأن تتفّق الأمّة على انتخاب هيئة تأسيسيّة تسنّ دستور البلاد الذي ينبثق عنه النظام النيابي كما هو جار في أكثر البلدان العربيّة".

مرحلة النضال الديمقراطي : بغضّ النظرعن خلوّ تصريح إيدين من تعهّد جوهري بالإستقلال،إلاّ أن السيّد إدريس وأعوانه اتّخذه منطلقا لمواصلة السعي إلى الحصول على السيّادة الوطنيّة،لما رأوه من مماطلات ومناورات في الأمم المتحدة،وصراع المطامع الإستعماريّة،وخاصّة رغبة إيطاليا رسميّا في عودة ليبيا تحت الوصاية الإيطاليّة بشكل من الأشكال؛وقد ظهرت هذه الرّغبة جليّا أثناء اجتماع وزراء خارجيّة الدول الأربع في 10 أغسطس 1946 إذ عبّر فيه رئيس الوزراء الإيطالي دي جاسبيري عن أمل حكومته في إشراك الموظّفين الإيطاليين في حكم البلاد،حتى وهي تحت سلطات الإحتلال متبجّحا بالقول :"نحن نصرّ على أن يسمح لعشرات الألوف من اللاجئين من ليبيا،أريتريا والصومال – الذين يعيشون الآن متقلقلين في إيطاليا أو في معسكرات إعتقال في روديسيا وكينيا- بالعودة إلى وطنهم"! وفي 23 سبتمبر عبّر إيفانو بونومي رئيس الوفد الإيطالي إلى مؤتمر الصلح عن الأمل في ألاّ يطلب من إيطاليا أن تتنازل عن منجزاتها في المستعمرات بعد أن بدأت تُعطي أكلها،وأن يُنصف العمّال الإيطاليّون إقتصاديّا واجتماعيّا،وأن يؤخذ رأي أولئك الذين مكثوا في المستعمرات. وبعد أن ادّعى مشاعر الصداقة التي تكنّها حكومته للأقطار العربيّة،طالب بوصايتها على ليبيا "لأن قواعد القانون الدولي تبيح استمرار الإدارة المحليّة تحت الإشراف العسكري للقوّة المحتلّة،بينما الإدارة العسكريّة البريطانيّة حلّت محلّ الإدارة الإيطاليّة بالكامل"! ونفس الإدّعاءات كرّرها ألبيرتو تاركياني السفير الإيطالي لدى واشنطن في مذكّرة لمؤتمر الوزراء بتاريخ 4 نوفمبر من نفس العام. أي كأن ليبيا التي كانت ضحيّة إستعمار أجنبي ثمّ مسرحا لحرب مدمرة،أصبحت الآن مثار نزاع بين من يحكمها : المستعمر القديم أم المنتصر عليه الجديد؟ تجاهلا لرأي ممثّليها في أن تعود إلى أهلها،بعد التنازل الرّسمي عنها من قبل الدولة المستعمرة. والأخطر من ذلك أن بريطانيا صاحبة وعد "أيدن" والمسيطرة مع فرنسا على البلاد كانت هي التي نسجت خطة بيفين - سفورزاّ وتبنتها رسميّا،ممّا يكشف حقيقة نواياها في مواصلة إحتلالها للبلاد بصيغة أخرى.

وتفاعلا مع هذه الأحداث فضّل السيد إدريس عدم المجيء إلى البلاد طالما ظلّت تحت سلطة الإحتلال الأجنبي،لسببين : الأولّ – لتأكيد إمارته على برقة وهو اللقب الذي حصل عليه بموجب إتفاقاته مع الإدارة الإستعماريّة الإيطاليّة،ورفضت السلطات البريطانيّة الإعتراف به بحجّة عدم جواز إحداث تغيير في حكم البلاد إلاّ بعد تحديد مصيرها بموجب إتفاقيّة الصلح،والسبب الثاني – خشيته من أن تستغلّ الإدارة البريطانيّة وجوده ونفوذه في تمرير مخطّطات أو ترتيبات خاصّة بها،وهو لا يريد أن يرتبط مع سلطة عسكريّة أجنبيّة. إلاّ أنه ولقناعته بضرورة التفاهم مع بريطانيا التي "حرّرت" بلاده من براثن الفاشيست العدوّ المشترك،وتفاديا لحدوث تطوّرات خارجيّة ربّما تضيع معها أهداف الإستقلال،لذلك استجاب لنصيحة مستشاريه وأرسل ستة من أفراد عائلته برئاسة إبن عمّه السيد صفيّ الدين،حيث وصل إلى بنغازي في 29 نوفمبر 1943 وطاف الوفد بأنحاء برقة طيلة شهر ديسمبر،وقوبل بخفاوة من الجماهير أينما حلّ دليلا على الولاء للسنوسيّة،ولكن الوفد التزم الحرص ولم يخض في الأمور السياسيّة. ثم قام السيّد إدريس بالخطوة الثانية فزار البلاد في يوليو 1943 مصحوبا بطائفة من رفاقه في المهجر،وهي الزيارة الأولى له بعد 22 سنة من حياة المنفى. وفي الإحتفالات الشعبيّة الضخمة التي أقيمت له في بنغازي وغيرها،كان يُخاطب من مسئولي الإدارة البريطانيّة بلقب  "النبيل" و "الحسيب النسيب" وغيرها،تمسّكا بلحجّة البريطانية المعروفة (عدم المساس بالوضع الرّاهن قبل إتفاقيّة الصلح) والتي كرّرها الجنرال (كومينج) حاكم البلاد في بيان له نشرته جريدة "بنغازي" يوم 30 يوليو 1944. ولكن الجماهير كانت تناديه بسموّ الأمير اينما حلّ موكبه، ورغم إصرار السلطة على ضرورة رجوعه لحاجتها لنفوذه والتشاور معه لمعالجةّ كثير من المشكل المحليّة،غير أنه فضّل البقاء في القاهرة. وفي الأثناء واصل تنفيذ برنامجه بالتعاون مع مساعديه،فعلى أثر عودة أحدههم،وهو عمر منصور (باشا)الكيخيا من منفاه في إيطاليا واسئنافه لنشاطه السّياسي في 25 فبراير1945،ألقى خطبة في "الجامع العتيق" ببنغازي في ذكرى المولد عبّر فيها عن مطامح البلاد في الإستقلال،وقرأ نصّ رسالة بعث بها في هذا الصدد إلى ونستون تشرشيل رئيس وزراء بريطانيا،ثم سافر إلى القاهرة للتنسيق مع "الأمير" الذي شكره على جهوده وأرسل خطابا إلى تشرشل أيضا يؤكّد فيه مطامح الإستقلال،كما كتب عمر مننصور إلى إدوارد جريج وزير الدولة البريطاني في القاهرة مفصّلا المطالب فييما يلي :"أن تعترف بريطانيا بإدريس كأمير على برقة—أن يتمّ الإعتراف ببرقة كدولة مستقلّة،على أن تكون حكومتها تمثيليّة وديمقراطيّة يساعدها مستشارون بريطانيّون.—أن تساعد بريطانيا برقة في تنظيم جيش،وأن تمدّ خطّ سكك حديد على طول السّاحل،وأن تعينها ماليّا—ستعطى بريطانيا حقّ تمركز قوّاتها في الأراضي البرقاويّة لفترة محدّدة،بشرط أن تعيد لبرقة كل المعسكرات ومنشآتها بعد جلائها عنها– ستكون برقة حليفة لبريطانيا العظمى". وفي نفس اليوم ثنّى السيّد إدريس في رسالته إلى نفس الوزير على هذه المطالب"لأنّها جاءت طبقا لرغباتنا ورغبات وطننا البرقاوي". وقد سبق للسيّد إدريس أن ذكرها في خطابه أمام الجماهير في بنغازي بتاريخ 30 يوليو 1944. ولكن لم يصدر من السلطات البريطانيّة أي موقف حيالها،لأن قضيّة ليبيا كانت بين أيدي الدول الكبرى تتنازعها الخلافات كما رأينا،ممّا أثار خيبات أمل بين الأوساط المقرّبة من الأمير وشيوخ القبائل في برقة،الذين انتهزوا مجيء الأمير في يوليو 1946 فأصرّوا،في بيان نشرته (برقة الجديدة) بتاريخ 11 أغسطس 1946،على أن تقوم بريطانيا "بتنفيذ الوعود المعطاة لأميرنا وهي الحريّة والإستقلال للبلاد حيث شارك شعبنا في الحرب وساهم بخدمات قيّمة لصالح الحلفاء"، وعندما عاد الأمير إلى القاهرة على أثر أنباء فشل الدول الكبرى في الوصول إلى تسوية،اعتقد هؤلاء الشيوخ أنه مستاء من موقف بريطانيا،فاجتمعوا في مدينة البيضاء يوم 22 يوليو 1946 ووقّعوا "مضبطة" طالبوا فيها بريطانيا "بالتسليم بالإستقلال وتشكيل حكومة دستوريّة – الإعتراف بالإمارة السنوسيّة تحت السيّد إدريس- تحويل شئون الإدارة فورا إلى البرقاويين". وقد قامت الحكومة البريطانيّة بإيفاد بعثة من العسكريين التابعين لوزارة الحرب إلى بنغازي سمّي (فريق العمل) التي وصلها نهاية 1946 بهدف دراسة وضع البلاد السياسي،وتقديم مقترحات لمستقبلها،وفعلا قدّم الفريق توصياته في يناير 1947 . ومن ضمنها ضرورة مجيء السيد إدريس وإقامته في البلاد،مع إعطائه صلاحيّات في التصرّف الدّاخلي والتعامل مع شخصيّات البلاد،حيث أُخذ بمشورته في تعيين شيوخ القبائل وإعتماد بعض الشخصيّات كمستشارين لتسيير الأمور الداخليّة ،أي أنها مهّدت لتنفيذ مشروع الحكم الذّاتي لبرقة. وهو ماجعل السيّد إدريس يقبل العرض. ولمّا أن اصطدمت جمعيّة عمر المختار بالإدارة العسكريّة،وشنّت هجماتها الإعلاميّة وعن طريق المظاهرات والإضرابات منتقدة أيضا الإتجاهات المحافظة وميولها الإنفصاليّة،كان أوّل عمل قام به الأمير إبّان رجوعه أن حلّ الأحزاب القائمة- وكان يعني جمعيّة عمر المختار التي لقّبت نفسها بإسم الجمعيّة الوطنيّة وقصرت نشاطها الظاهري على الأنشطة الثقافيّة والرياضيّة- وبحجّة إبراز موقف موحّد أمام العالم الخارجي،وقضية مصير ليبيا مطروحة للبثّ فيها من الدول الكبرى،أصدر الأمير بتاريخ 7 ديسمبر 1947قرارا بتأسيس (المؤتمر الوطني البرقاوي) محلّ الجبهة،على أن يضمّ جميع التيّارات السياسيّة،والذي تألّف رسميّا إعتبارا من يناير 1948.

وبموازاة هذه الأحداث كانت القيادات الوطنيّة في طرابلس تنشط من جانبها وتناضل من أجل تحقيق الوحدة والإستقلال، فاستعادت الإتفاقات مع السيّد إدريس وقيادات برقة، وجرت المفاوضات ببنغازي في يناير 1947 لترسيخ الإتفاق بين "الجبهة الوطنيّة المتحدة" الطرابلسيّة و"المؤتمر الوطني البرقاوي"،وعلى الرّغم من إتفاقهما على المباديء الرئيسيّة في إلإستقلال والوحدة تحت التاج السيد إدريس وتأسيس حكومة دستوريّة ديمقراطيّة برلمانيّة،إلاّ أن الجانبين لم يتوصّلا إلى إتفاق نهائي،بسبب تمسّك الجبهة البرقاويّة بنصّ جاء فيه:"يسعى الطرفان جهدهما إلى هذه الأهداف،على أنه إذا تعذّر ذلك يُنقذ ما يمكن إنقاذه،ويسعى لإنقاذ البقيّة الباقية"،وهو ماجعل بعض الممثلين لجمعيّة عمر المختار ينسحبون من المؤتمر،وتنتقد زعامتها هذا الموقف وتطلب من الأميرفي البيان الذي أصدرته في الخصوص أن يتدخّل لحسم الخلاف والتأكيد على وحدة البلاد،ومن ناحيته أصر الوفد الطرابلسي على الفقرة التي اقترحها والتي تقول :"يسعى الطرفان جهدهما للوصل إلى هذه الأهداف،والدّفاع عنها بكلّ الوسائل الممكنة،ورفض أي ترتيبات تتعارض مع هذه المباديء. بينما أعلن الأمير في تصريحاته أنه لم يتدخّل في الخلاف بل التزم الحيدة-. واستغلّت الدوائر الإستعماريّة الإيطاليّة التصدّع الذي حدث في الصفّ الوطني،فأوعزت بتأسيس حزب "الإستقلال" برئاسة سالم المنتصر الذي انشقّ عن الجبهة الوطنيّة المتحدة الطرابلسيّة،وكان رئيسا لها،وذلك في صيف   1949على أثر إجتماع بين السنيور أليساندريني وزير إيطاليا المفوّض في بيروت وسالم المنتصر،طمعا في استقلال مفترض تحت الوصاية الإيطاليّة،وهو ما خطّط له مشروع بيفين –سفورزا. وقد تجلّى هذا في تصريح رئيس الحكومة الإيطاليّة أدلى به يوم 31 مايو 1949 غداة سقوط المشروع في الجمعيّة العامّة،والذي جاء فيه : "إن حكومته تعترف بمطامح الشعوب المشروعة في الحكم الذّاتي،وتتعهّد بتأييدها في المحافل الدوليّة – وبصفة خاصة فحكومته تحبّذ تشكيل حكومة في طرابلس الغرب، تكون ممثّلة بجمعية شعبيّة منتخبة بحريّة وتمثّل الجماعات العرقيّة المتنوّعة،والتي يمكن لإيطاليا أن تنشيء معها علاقات تعاون وطيد ومثمر" وهو التصريح الذي علّقت عليه "نيو يورك تايمس"في عددها بتاريخ 3 يونيو 1949 ووصفته بأنه غير دبلوماسي ويكشف نوايا إيطاليا في الإنخراط في ترتيبات جديدة تفضي إلى استقلال ذاتي لدولة طرابلس الغرب،تحقّق من خلالها مصالحها التجارية والإقامة الدّائمة للرعايا الإيطاليين في طرابلس الغرب. وقبل ذلك ومنذ أكتوبر 1947،لم يخف الإيطاليّون هذه النوايا،إذ صرّح سكرتير الخارجيّة الإيطاليّة بروساسكو مؤكّدا بأ حكومته تطالب باستعادة مستعمراتها مماّ شجّع بقايا العناصر الفاشية من المقيمين الإيطاليين على تأسيس جمعيّات تعمل لنفس الإتجاهات،مقابل تنظيمات أخرى من الإيطاليين المتعاطفين مع المطامح الليبيّة. ولا شكّ أن التحالف مع دولة الإستعمار،قد نُظر إليه كتآمر بغيض بين أوساط الليبيين،وعمّق مخاوف التيّار الإنفصالي في برقة .. واستبدّ القلق بالزعامة الوطنيّة في المهجر ومثّلها بشير السعداوي القطب المعروف في مسيرة الجهاد،والذي عمل طويلا لتوحيد تيّارات الحركة الوطنيّة وراء قيادة السيّد إدريس أوّلا: لتداعيات فشل المفاوضات بين زعماء طرابلس وزعماء برقة،وثانيا: لحدوث هذا الإنحراف الخطير في طرابلس لصالح المطامع الإيطاليّة،وما نجم عنه من إنشقاقات في الصفّ الوطني. ولذلك بادر في القاهرة بتأليف"هيئة تحرير ليبيا" في القاهرة  بدعم من أمين الجامعة العربيّة ،ولكنّه حين عرض على الأمير الإنضمام إليها بخطاب مؤرّخ في 22 أغسطس 1947  أحالها الأمير إلى "الجبهة الوطنيّة البرقاويّ" التي رفضتها لأنها لم تُستشر قبل تأليفها،ولأنها أغفلت الإشارة إلى زعامة الأمير(وهذا البند الأخير تعمّد السّعداوي إغفاله ليس لأنه يرفض قيادة الأمير التي عمل من أجلها طويلا،بل كمناورة وقتيّة لاستقطاب العناصر المتطرّفة المناوئة للإمارة السنوسيّة). ولكن حتى القيادات في طرابلس لم تتحمّس للهيئة الجديدة،إلاّ بعد أن جاء السّعداوي شخصيّا ناقلا إليها مقرّ الهيئة الجديدة في بداية 1948،قبل وصول لجنة التحقيق الدّوليّة، وبمخاطبته للجماهير ونداءاته لتوحيد الكلمة أمام اللجنة لقي ترحيبا شعبيّا واسعا،تأتّى عنه – بعد صعوبات- دمج الأحزاب في طرابلس في "المؤتمر الوطني" باستثناء "حزب العمّال" الصغير،وخروج سالم المنتصر عن الخطّ الوطني. ورغم أن السّعداوي وُفّق في توحيد الكلمة بقبول الأمير،إلاّ أن الأمير فضّل عدم الإنغماس في جوّ المشاحنات في طرابلس. غير أن أن حزب "المؤتمر"هو الذي قاد الإنتفاضة المظفّرة ضد مشروع بيفين سفورزا. وواصل السعداوي على رأس المؤتمر مسيرة الكفاح حتى تكلّلت باستقلال ليبيا الموحّدة.

مخاطر الإنفصال:

إلاّ أن تداعيات الخلاف أخذت تتبلور،فسافر عمر منصور يوم 23 نوفمبر 1948 إلى لندن ليتفاوض مع الحكومة البريطانيّة حول إقامة كيان برقة المستقلّ ذاتيّا،ثمّ زار باريس مطالبا حكومتها بتأييد إستقلال ليبيا بكاملها،ولكنّه صرّح أيضا أنه في حالة عدم تحقيق ذلك،كان على برقة أن تنجز إستقلالها. وهو التصريح الذي أثار جدلا ساخنا في الأوساط السياسيّة الليبيّة،ونشب الخلاف بين جيل الشباب الذي تمثّله جمعيّة عمر المختار والمنادي بالوحدة الكاملة،وجيل الشيوخ الذي يمثّله المؤتمر الوطني البرقاوي.

وفي 1 يونيو 1949 أعلن الأمير إستقلال برقة من قصر المنار وبحضور (دي كاندول) المعتمد البريطاني لبرقة وأعضاء المؤتمر البرقاوي،وردّ عليه المعتمد بموافقة حكومته على الإعتراف به أميرا على حكومة برقة المستقلّة ذاتيا. وازداد الخلاف عُنفا بين المؤيّدين والمناوئين كما هو معروف،وكان له صداه في محافل الأمم المتحدة . وهكذا فبريطانيا تشبّثا منها بفرض سياسة الأمر الواقع،بادرت قبل مجيء مفوّض الأمم المتحدة باتخاذ الترتيبات بالإتفاق مع الأمير الذي شكّل بتاريخ 5 يوليو 1949 هيئة تنفيذيّة مؤقّتة برئاسة فتحي الكيخيا مع خمسة أعضاء يتولّون شئون الإدارة كوزراء مرشّحين،إلى حين عودته من زيارة لندن للتشاور مع حكومتها. وفعلا غادر يوم 9 يوليو يرافقه فتحي الكيخيا. وفي الطريق مرّ على طرابلس،حيث دُبّرت حادثة تفجير صغيرة استهدفت حياته من قبل عناصر مناوئة للإنفصال،ولكنها لم تمسسه بضرر،بل كانت حفاوة الجموع به غامرة. وأعطى الضمانات لزعماء طرابلس بنيّته في نقل رغباتهم إلى الحكومة البريطانيّة. وفي لندن اتفق مع المسئولين على الخطوات القادمة،وعند رجوعه إلى بنغازي صدر قرار المعتمد دي كانول بتاريخ 8 سبتمبر 1949 بنقل السلطات إلى الحكومة الذّاتيّة،وكذلك مرسوم من الأمير بدستور برقة الذي أصبح نافذا في نفس اليوم،ومرسوما آخر بتاريخ 9 نوفمبربتعيين أعضاء الحكومة،وبه ثُبّتت نفس المرشّحين كوزراء في مناصبهم،ولكن تولّى رئاستها عمر منصور الكيخيا والد فتحي الكيخيا الذي بعث باستقالته من باريس،حيث جاءها للعلاج بعد زيارته لندن. وفي شهادته لمجيد خضّوري مؤلّف كتاب (ليبيا العصريّة) أرجع فتحي الكيخيا أسباب إستقالته إلى تقييد صلاحيّاته الشديد،وهو لا يريد أن يكون رئيسا بالإسم،وكذلك لم يتوفّر كادر وطني للإدارة التي ستعتمد على المستشارين الإنجليز. ولكنّه تعلّل بعدم تحمّل زوجته العيش في بنغازي . بينما باطّلاع محرّر هذه الورقة على وثائق الخارجيّة البريطانيّة،وجد أسبابا إضافيّة،مثل إستياء فتحي من عدم استقباله كرئيس وزارة دولة مستقلّة،كما أنه تصلّب مع الجانب البريطاني أثناء مناقشة وثيقة الدستور البرقاوي.

وحسب تحليل كتبه لاحقا أدريان بيلت مفوّض الأمم المتحدة :"أن الإستعداد الذي أظهرته بريطانيا بإذعانها لإصرارالبرقاويين على الإستقلال،كان مفهوما في ضوء مستقبل وماضي الأسس التاريخيّة،لأن رفض خطّة بيفين- سفورزا نسف إمكانيّة وصاية بريطانيا على برقة،وحفاظها على علاقات صداقة مع السنوسيين أملى عليها قبول طلبات الأمير. وبنفس الدرجة فالبرقاويّون المحتاجون للمساعدة الماليّة كانوا مستعدّين كي يسمحوا للقوّات البريطانيّة بالبقاء على أراضيهم.  ولكن بقدر ما يتفهّم المرء هذه الرغبة المتبادلة لاستقلال برقة من وجهة نظر الجانبين،إلاّ أنها شكّلت للمفوّض عقبة جديّة في طريق الإضطلاع بالواجبات التي أناطه بها قرار 289(IV) كما يفهمه". وعندما زار المفوّض برقة لأوّل مرّة في نهاية يناير 1950،قابل كلا من الأمير والمعتمد البريطاني،و تبيّن له أن الأمير كان يلحّ على أن تنقل بريطانيا إليه مزيدا من الصلاحيّات؛وفي تصوّره أن تكون ليبيا دولة فيدراليّة،مع سلطات واسعة داخليّا لكل من الولايات الثلاث وحكومة مركزيّة. وهو ما سمعه (بيلت) من المسئولين البريطانيين عندما زار لندن. واعتبر أن هذه التدابير تتعارض مع قرارات الأمم المتحدة بتحديد إختصاصات الفرقاء،فالحكومتان البريطانيّة والفرنسيّة فسّرتا الفقرة في القرار التي تقول"أن تديرا شئون البلاد بغرض المساعدة في إقامة وحدة ليبيا واستقلالها" هي فقرة تعطيهما الحريّة في البدء – كخطوة أولى- بإنشاء ثلاث حكومات مستقلّة أو ذات إستقلال ذاتي يمكنها أن تتّحد فيما بينها إن رغبت في ذلك. بينما استند مفوّض الأمم المتحدة على الفقرة التي تقول"البدء فورا في اتخاذ الخطوات الضروريّة لنقل السلطة في حينه إلى حكومة دستوريّة مستقلّة" بأنها تعني تكوين حكومة واحدة وليس ثلاث حكوملت! كما أن بيلت ذكر في تقريره الأول إلى السكرتير العام "لقد اتضح لي أن النيّة متجهة إلى عقد إتفاقيّة تنقل بموجبها السلطات المحتفظ بها للمعتمد البريطاني إلى الأمير. وفي مقدّمتها إنشاء جيش كبير يقوده ضابط بريطاني ممّا لا يتناسب مع ميزانيّة الإقليم. ومن راي أن إبرام هذه الإتفاقيّة يعطي لحاكم هذا الجزء من ليبيا درجة كبيرة من السلطة يترتّب عليها الإضرار بقضيّة وحدة البلاد بأسرها وسيادتها خلافا لقرار الأمم المتحدة". وقد عدل الأمير فيما بعد عن فكرة تأسيس الجيش. ولكنه مضى في تنفيذ المشروع،إذ جرت انتخابات لأول مجلس نيابي إفتتحه الأمير في 12 يونيو 1950 . وقد تألّف من خمسين عضوا منتخبا،وعشرة أعضاء معيّنين. ورغم إعادة توزيع الدوائر الإنتخابيّة التي أصدرها محمّد السّاقزلي رئيس الوزراء الجديد،بهدف تقليص عدد نوّاب جمعيّة عمر المختار لصالح ممثّلي القبائل والمحافظين،إلاّ أن نجاح عشرة نوّاب منهم رئيسها مصطفى بن عامر عن بنغازي وإبراهيم أسطى عمر وعبد الرّازق شقلوف عن درنة،والبقيّة شخصيّات متعاطفة مع الجمعيّة. ورغم قصر أعمال المجلس الذي استمرّ لسنة واحدة،قبل إعلان الدولة اللليبيّة الفيدراليّة، إلاّ أن مناقشاته اتصفت بحريّة التعبير والنقد للحكومة وسياستها. وفي خطاب الأمير الإفتتاحي عبّر عن رغبة حكومته في إزالة القيود التي تحدّ من إستقلالها في الحكم،كما أعلن رئيس الوزراء في خطابه أمام المجلس :"أن برقة أنشأت أداة للحكم قبل أن تتخذ الأمم المتحدة قرارها،وبذلك أظهرت مقدرتها على تصريف شئونها الداخليّة وأنها جديرة بأن يكون لها مركزها الممتاز عند النظر في مستقبل ليبيا".وهو بذلك أكّد المخاوف التي ساورت الأمير وأنصاره من أن تعصف المناورات الدّوليّة وقتذاك باستقلال البلاد.

وبهذه المناسبة فالدستور البرقاوي اعتبره المؤرّخ الشهير للتاريخ الليبي الدكتور نقولا زيادة في كتابه (ليبيا في العصور الحديثة) "وثيقة هامّة من وثائق التاريخ العربي الحديث" فهو: في الموادّ (2 و 4 و 6 و 7 و 8 و  9 و 10) كفل حريّة العقيدة والفكر والحريّة الشخصيّة وحريّة المُلكيّة واعتبار اللغة العربيّة اللغة الرسميّة. وفي المادّة11) ) المساواة بين السكّان بقطع النظر عن الدّين أو الجنس أو اللغة. والمادّة (12) سموّ الأمير محمّد إدريس المهدي السنوسي هو أمير برقة،والإمارة وراثيّة. والمادتانّ (28 و 29) مجلس الوزراء مسئول بالتضامن أمام الأمير،وللأمير أن يقيل رئيس مجلس الوزراء إذا رأى ذلك في مصلحة البلاد. والموادّ من 30) (52نصتّ على أن حكومة برقة حكومة دستوريّة قوامها مجلس نوّاب منتخب من المواطنين البرقاويين الذكور البالغين الحادية والعشرين سنة. والموادّ من (54--58) تنشأ في البلاد محاكم أهليّة تمارس القضاء المدني والجنائي، ومحاكم إسلاميّة شرعيّة،ومحاكم دينيّة أخرى إذا اقتضت الحاجة. والمادّة (66) تجيز للأمير تعطيل الدستورإذا نشأت حالة تفرض ذلك. ولا شكّ أن الذين صاغوا دستور ليبيا استرشدوا بما ورد فيه من موادّ تتعلّق بالحريّات وحقوق الإنسان.

وبالنسبة لطرابلس واصلت الحكومة البريطانيّة تطبيق مخطّطها في فرض الأمر الواقع ،إذ أرسلت مذكّرة إلى مفوّض الأمم المتحدة تبلّغه بالرغبة في إنشاء حكومة ذاتيّة لتصريف الشئون الدّاخليّة مكوّنة من مجلس تنفيذي مختلط من الليبيين والبريطانيين وإيطالي واحد. كما اقترحت تشكيل جمعيّة تشريعيّة منتخبة ويعيّن بها بريطانيّون. وفي فزّان قامت الإدارة الفرنسيّة بالمثل إذ أنها قرّرت في 18 ين